تقرير لجنة التحكيم

لجائزة كامل المقهور للقصة القصيرة في دورتها الثانية لسنة 2025

شهدت جائزة الأديب المرحوم كامل المقهور في دورتها الثانية مشاركة واسعة دلّت على تطوّر الحراك السردي في ليبيا.

وقد تنوّعت الأصوات القصصية التي تسعى – في مجملها – إلى التجديد شكلاً ومضمونًا بما يعكس تطوّر المجتمع في كلِّ مناحيه سلبًا وإيجابًا.

وقد تكوّنت لجنة التقويم من كلٍّ من:

الأستاذ الدكتور: زكية خليفة مسعود العقوري، أستاذ البلاغة والنقد بقسم اللغة العربية – كلية الآداب – جامعة بنغازي.

الأستاذ الأديب الشاعر: عمر عبد الدائم بشير، أستاذ القانون الجنائي، عضو هيئة التدريس - غير قارّ -  في بعض الجامعات الليبية.

الأستاذ الأديب القاص: إسماعيل القايدي المتوّج بالترتيب الأول لجائزة كامل المقهور للقصة القصيرة في دورتها الأولى لسنة 2024.

وبعد مراحل من الفرز والمراجعة وتبادل وجهات النظر – توصّلت اللجنة إلى الاتفاق بالإجماع على قائمة قصيرة تضمّ خمس قصص تميّزت بسلامة لغتها وجودة بنائها الفني وعمق موضوعاتها وتجديد رؤيتها الجمالية وطرافتها.

وهذا التقرير يبيِّن خلاصة عمل اللجنة، ويعرض مسوِّغات ترشيح هذه القصص الخمس للفوز بالجائزة، فضلاً عن تقديم قراءة نقدية موجزة لكلِّ نصٍّ من النصوص الخمسة؛ تقديرًا للجهود الإبداعية التي قدّمها كتّابها المتميِّزون، وترسيخًا لدور الجائزة في دعم المواهب الأدبية.

وقد تمثّل عمل اللجنة في:

-        قراءة كلِّ عضو على حدة جميع النصوص البالغ عددها مئة وثلاثة عشر نصًّا (وهذا يعكس حجم التنافس وثراء الأصوات السردية)

-        بعد القراءة والمراجعة أعدّ كلّ عضو قائمة أولية، تراوحت القوائم بين عشر إلى ثلاث عشرة قصة.

-        وبعد تبادل القوائم الأولية والمناقشة حول القيم الفنية لكلِّ نصّ، فرزت اللجنة القصص المرشَّحة، ووضَّحت جوانب القوّة والقصور في كل نصّ؛ وعلى الرغم من وجود عدد من القصص حظيت باتفاق عضوين دون الثالث، وأخرى أثارت نقاشًا مطوّلاً حول أهليتها للوصول إلى القائمة النهائية – فقد انتهى عمل اللجنة إلى التوافق الكامل على خمس قصص هي أفضل ما قُدِّم في هذه الدورة، على أنّ وجود الأفضل لا يعني عدم وجود الفاضل.

وهكذا انتهت اللجنة إلى ترشيح هذه النصوص دون خلاف على أيٍّ منها.

 

قراءة نقدية موجزة للقصص المرشَّحة:

القصة الموسومة بـ "بائع الوقت"

     هذه القصة تُصنَّف ضمن الفانتازيا الرمزية، وتتأسس على ثنائية واضحة، هي: سعي الإنسان للخلود وعجزه أمام فعل الزمن.

     واستحضار السارد لصورة "جلجامش" الذي يبذل جهدًا من أجل الوصول إلى "أوتنابشتيم" الذي امتلك سرّ الخلود – ليس مجرد إحالة تاريخية أسطورية بل هو مدخل لتأطير السؤال الوجودي الذي تُبنى عليه القصة، وهو: هل نملك نحن الوقت أم أن الوقت هو الذي يملكنا؟ ليخلص القاص إلى أنّ الخلود الحقيقي لا يكمن في الحياة الأبدية للجسد، وإنما يكمن فيما ينجزه الإنسان من أعمال عظيمة.

     وقد استطاع القاص أن يصوغ تجربته بلغة جيدة مستخدمًا كثيرًا من طاقات اللغة وإمكاناته، متكئًا على ثقافة واسعة وظّف من خلالها رموزه خير توظيف، بخيال خلاّق يتحوّل فيه الوقت إلى شيء يمكن صبّه في ساعة شخص ينفقه تحت رقابة مشدّدة يمكنها أن تسحب منه هذا الوقت الذي اشتراه بكل ما يملك بما في ذلك إرثه الذي يمثِّل قيمًا معنوية فضلاً عمّا دفعه من قيم مادية.

 

القصة الموسومة بـ "المخاض"

قصة فلسفية رمزية، تعالج قضايا وجودية، أهمها:

-        الإيمان المطلق في مقابل الشك في حقيقة الوجود.

-        السؤال عمّا وراء الحياة.

-        فكرة الموت والمصير.

وتتمثّل أهم رموزها في:

-        الرحم الذي هو العالم الأول.

-        الولادة التي يمكن أن يُقرأ فيها البعث إلى عالم جديد.

-        التوأم الهادئ الذي يقرأ فيه الاطمئنان الناتج عن الإيمان الفطري.

-        التوأم القلق الذي يمثِّل الإنسان المتشكك الذي يعوزه الإيمان.

 

القصة الموسومة بـ " بلل"  

قصة تُصنَّف ضمن القص الواقعي، وهي قصة نفسية سوداوية يُستَخدم فيها القبح والقذارة أداةً فنية لفضح هشاشة الإنسان وضعفه واغترابه.

عَرْضُ القصةِ مضطربٌ يتلاءم والحالةَ التي يعيشها البطل والتي تمثِّل أدب ما بعد الصدمة، وهنا تكمن المفاجأة الأسلوبية في القصة التي تتنامى أحداثها باضطراب يُعتَمَد فيه على رمزية منظَّمة تكمن خلف الاضطراب الظاهر على السطح؛ ليتحوّل السرد كلُّه إلى تفسير نفسي للهذيان، وليتحوّل العنف إلى عنفٍ لا يوجّه إلى شيء محسوس (الطائرة) بل هو عنف موجّه إلى الذاكرة المؤلمة، فذروة السرد تكمن في أن البطل لا يحمل سلاحًا فعّالا بل يحمل عصًا يخالها سلاحًا.

 

القصة الموسومة بـ "العروس"

          تصنّف ضمن القصة التاريخية الرمزية.

          تستلهم القصة حدثًا تاريخيًّا حقيقيًّا، هو الغزو الإيطالي لليبيا، وتستحضره عبر مشهد رمزي يُظهِر مفارقةً محورية حين تظهر بندقية جديدة وسط بنادق قديمة كانت تُستعمل لحماية قوافل التجّار وقد صارت جميعها دفاعات عن الوطن في لحظة تتطلّب المقاومة...

          وتسمية البندقية الجديدة بـ "العروس" يحوّلها إلى رمز للأمل ...

          والمزاد يبدأ بالمال وينتهي بالأرواح التي ستقدَّم مهرًا لهذه العروس، وهنا تتبدَّل قيمة الأشياء ويصير الوطن أغلى سلعة تُشترى؛ فثمنه الأرواح؛ ليغدو الشاب الذي لا يملك المال رمزًا لجيل قادرٍ على المقاومة؛ فهو القادر على تقديم رأس جندي إيطالي مقابل كل إطلاقة.

خلاصة القول: إنّ هذا السرد يجمع صورًا صغيرة مكثَّفة تعكس خلفيات عميقة وروابط انتماء، ليتحوّل شراء قطعة سلاح إلى ملحمة تعكس روح الوطنية والمقاومة ووحدة الأرض والدم، وتكشف أنّ الأحرار البسطاء يصنعون التاريخ بأدوات صغيرة وإيمان كبير.

 

القصة الموسومة بـ "نداءات الحنين"

          تصنّف هذه القصة ضمن الأدب الواقعي ذي النزعة التوثيقية؛ لأنها تنطلق من حدث حقيقي (إعصار دانيال) وما يميّز هذا السرد هو الحضور القوي للعاطفة الذي حوّل القصة الواقعية إلى شهادة أدبية وجدانية نقلت إلى المتلقي مرارة الفقد وألم التفاصيل كما صوّرت له قوّة الإنسان وهو ينهض أمام الانكسار وكيف يتجاوز قسوة الطبيعة، في هذه القصة تتحوّل النبوءة إلى قدرٍ مقدّر، وتصبح الذكريات ملاذًا أخيرًا وحزنًا ملازمًا، والحزن هو العاطفة التي خلقها الألم العنيف؛ ومن ثم كانت العاطفة الصادقة والحضور الوجداني القوي أهم ما يحوّل المتلقي للنص إلى متأثر ومؤثر مشارك في العملية الإبداعية.

 

وبعد، فهذه قراءة موجزة توضّح مسوّغات ترشيح هذه القصص، وتترك باب القراءة والتأويل مفتوحًا أمام النقّاد؛ لإثراء النصوص، فالنصّ ثابت والتأويل متغير بحسب أذواق المتلقين واتجاهاتهم وثقافاتهم.